نبذة عن المُدوّنة

إُفتتحت هذه المدونة اليوم الجمعة
1\4\2011 والتـي ستـكون بمثابـة
وسيلة عـبور بالفـكر الحزين إلــى
الماوراء وحيث يستلقي نعش هذا
الرجل مـابيـن الحقيقـة و الخيــال

المتابعون




بعدَ أدائهِ لصلاة العصر في يوم لن ينساه إمام مسجدنا .. إنطلقَ بخطى ثابتة بعد أن فكر بالموضوع مطولاً .. متجها ً لتلك "الفيلّة" التي لاتبعد كثيرا ً عن المسجد .. أو قد أصبحت بقايا فيلّة بعد أن كانت منذ عشرين عام تحفة معمارية تتغنى بها بلدتنا .. السور المُنقّش بالرخام والنوافذ الزجاجية السوداء والجدران المصقولة بالحجر الأبيض .. والبوابة التي يعترش طرفيها تمثالي الأسدان .. والقرميد الأحمر القابع فوق قبّب الفيلة ... كل هذه المعالم إختفت .. وحلّ اليوم مكانها الخراب والعبث .. السّور أصبح مكسواً بالخربشات .. والنوافذ محطمة وجدران المنزل باتت وسيلة تدريب لأفراد الدفاع المدني فدائما ً تهب بجنباتها الحرائق ..

تستحق هذه الفلّة وبجدارة أن تؤدي دور بيت الأشباح لأشهر أفلام هوليود المرعبة ..

ومابال شيخنا الحكيم أن قرّر الذهاب إليها .. دنا من الفيلة .. وأعتلاه توجمٌ و كأن لسان حاله كان يقول .. لماذا اتيتُ إلى هنا ..؟


لايوجد هناك باب ليطرقهُ .. فوقف مُقابل الفيلّة يتمتم قائلا ً ..

- نايف ..! .. يا نايف ..
أدرك حينها أنه صوته جدا ً خفيض .. فأرغم نفسه على المخاطرة وإيقاظ من في الفيلة ..!
علا صوته ..

- يااا , نايـ ...

قبل أن يكملها .. تمتم بسم الله .. اعوذبالله من الشيطان الرجيم ..

- تتعوذ من ماذا ياشيخ هل رأيت شيطان مثلاً ..؟

هكذا نفث كلماتهُ نايف بوجه الشيخ المسكين .. وكأنه كان مُخطط لإفزاع ضيفه الغير مرحب بهِ في "خرابتهِ " ..

- والعياذ بالله من الشياطين لا واللهِ فقط تفاجأت بوجودك أمامي دون أن أنتبه ..

قالها الشيخ بإسلوبهِ الخطابي الذي إعتدنا عليه مدركاً أنه عليه أن يُساير هذا النايف الذي يكرهُ ويخافهُ الجميع ..

- لا أريد أن أقول لك تفضّل فالمكان أعلى من مستواك..!


- أنا لم أتت إلى هنا لأزورك لعلمي أنك لاتحب الزوار المتطفلين أمثالي ..


- إذن ما الذي تريده وبإختصار ..


صمت الشيخ لوهلة وأخذ نفس عميق قبل أن يبدأ بالمخاطرة ..

- نايف ..أنت أقترضتَ مني يوماً مبلغ مالي ..

وأردف يقول ..

- وإنني أمر في هذه الأيام بضيق ٍ ومحتاج لمالي .. أو بعض منه ..

لم يتكلم بشيئ نايف .. هزَّ رأسهُ مقتنعاً بما قاله الشيخ .. وعلتَ شدّقيه إبتسامة صفراء .. تخفي ورائها ردت فعل أبداً غير متوقعه ..


- إنتظرني هنا سأعود حالاً ..


دخل نايف لـ "خرابته " .. والشيخ يقول بنفسه ِماذا سيفعل هذا المجنون هل سيأتي لي بالنقود .. أم سيأتي بشيئ آخر .. هل أعد من حيث أتيت .. وأترك هذا المجنون قبل أن يأتي بمطرقة يدجج بها رأسي .. لاسأنتظر فلربما لو لم يجدني سيلحق بي ..


عاد نايف ..! وبيده دميه ..! الحمدلله ليست مطرقة .. لكن ماذا سيفعل هذا المجنون ..


- يا نايف إن لم يكن معك نقود فأنا لستُ مستعجلاً عليها بإمكاني أن أرجع لاحقا ً ..


- لا ياشيخ أنا معي النقود ومعي النفوذ والسلطة والجاه ولن أبق لإمثالك مدان أبداً !!!..


الشيخ مازال مصدوم من حديث نايف ..


رفعّ نايف الدمية البالية بيده حتى تساوت مع رأسه .. وأصبح يهز بها.. وقال للشيخ ..


- إعبّدْ هُبّل ..


مشيراً بنظراته للدمية ومردداً عبارته " إعبد هُبل " بجدية وبصوت يرتفع تلو مره ..


الشيخ بدأت ترتعد ملامح وجهه المستدير وبدأ الخوف يسري في أعماقه ..


- أستغفر الله .. أستغفر الله .. هل جننت يا نايف ..


وكأنه يعاتب نايف ألم يدرك تماماً أنه مجنون ..


- إعبّدْ هُبّل .. أعطكَ مالك ..!


تأكد حينها الشيخ أن الهروب هو الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق قبل أن يقدم نايف بتعذيبه ليعبد هُبل ..!

فأدار الشيخ ظهرهُ لوجهة العودة و أمسك بطرفِ ثوبهِ .. راكضاً تاركاً خلفه هلوسات نايف وجنونه .. ومردداً " أنا مسامحك .. مسامحك بالـ 100 دينار .. دنيا وآخره " ..

.......................


إنتشرت قصة إعبّد هُبّل هذه في بلدتنا .. وتتداولت بين الكبير والصغير وبسخرية لاذعة .. على ما أقدم بهِ نايف من جنون لإمام المسجد المسكين ..


نايف هو الخال الأصغر لي !, يبلغ من العمر اربعون عام .. ذو الطول الفارع .. والجسم الممتلئ ..نرجسّي البشرة .. كان أكثر أقربائي جمالاً وأناقة .. وهو صاحب السيرة الأسوء في بلدتنا .. هو السكيّر العربيد .. المُدمن العاق لوالديه .. وكل الصفات المشينّة كانت مجتمعة عندهُ ..


نايف هو أكثر رجل حذرني والدي من الإقتراب منه .. أو حتى معرفته..


لكن بما أن الممنوع مرغوب وحُب الفضول الذي يشوقني دائما لإكتشاف المجهول .. ورابطة الدم ..كلها أسباب حفزتني منذُ مراهقتي للوصول للخّال نايف الغير محبذ ذكر أخباره عند عائلتنا .. فكنتُ بالخفية أزوره كلما أصابني هم ولم أجد من يسمعني بسخريه غير نايف ..


دائماً ما أشفق عليه وللحالة التي وصلّ لها .. وكيف نبذوه أهله وتبرأوا من دمهِ وهم السبب الأول لما جعله بهذا المستوى من الإنحطاط .. كان نايف بالنسبة للآخرين مجنون وبالنسبة لي أعقل العقلاء وأدهى حتى من الأدباء .. لطالما تسامرتُ معه الليالي الطوال .. دائماً أجده صاخباً مع كأسهِ وحشيشهِ .. وأنا كنتُ المستمع المُحببّ له .. نعم لو وجدني والدي يوماً معه لتبرّئ هو الآخر مني .. حتى لو كنتُ أجالسهُ لا أكثر ..


في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي .. إنتقل نايف لشقتهِ الصغيرة في العاصمة عمّان لإكمال دراستة الجامعية .. بعد أن قدم مستوى عالٍ في الثانوية العامة وحصولة على مرتبة من العشرة الأول في المملكة .. فضّل دراسة الطب .. ليحقق حلمه كطبيب .. وكانوا أهله فخروين به حتى درجة التكبّر عن الآخرين !.. ولم يعلموا حينها أنهم يمهدون لإبنهم طريق النهاية والعّار ...


تَرفّ وغنى وتبذّير .. هكذا عاش نايف تلك الفترة بعد أن عملوا أخوته في الكويت .. فأصبحوا يرسلون له المال بقدر أكثر من مصروفه .. حياة المدينة والجامعة والإختلاط .. كلها تختلف عن بلدته الصغيرة .. أغواه المال .. وشجعه عدم سؤال أهله عن المال أين يقضيه ..


هناك في العاصمة لا أحد يسأل من هذا الشاب .. ولا يتدخل أحد في شؤونه ..


- خال .. لماذا لم تكمل دراستك ..؟


تطرق بوجههِ الذابل و أحاطني بعيناه الحمراوتان ..


- لاتقل لي خال ..فأنا لستُ أنتمي للعائلة التي أمك تنتمي لها ..!!


- هه لاتغضب يا "مقطوع من شجرة " يانايف ..


- أي دراسة تحدثني عنها !! فأنا إجتزت مرحلة التعلم الحياتية التي تلهثون ورائها ..


هكذا كان نايف لهُ رؤية أغرب مما ستصل لها .. ومهما حاولت أن تفهمه فهو لن يوصلك إلا لجنونهِ المعتاد .. كان قد فُصل من جامعتة بعد مرور سنتين فقط .. كان من ضمن مجموعة شباب قد قبض عليهم في سنة 1990 في بنك مصرفي قبل أن يُدانوا بتهمة السرقة و تعاطي المخدرات .. وقد قضى في السجون لفترة طويلة ومن تهمة إلى تهمة أخرى ..


كثيراً ماكان يتجنبني عندما أحاول فتح بوابة ذكرياته فهو كان يقول لي دائماً " اللي فات مات " لكنني فهمت منه الكثير رغم أنه لم يكلمني مباشرة عن ذكرياته .. هناك فتاة قد أحبها .. ومن بعدها تحولت حياة هذا الشاب المسكين إلى جحيم .. لطالما كان يشتم أهله ويلعنهم .. ويقول لي كانوا يعطوني المال دون سؤال وحينما طلبت منهم الحُب رفضوا وأجتمعوا على أن يهملوني لوحدي في تلك المدينة المُرحبة بالفجور و الخروج عن المألوف ..



- ماهي الحياة بإعتقادك يا نايف ..


- الحياة أن لاتتمنى الموت .. وإن تمنيته فأنت لاتعرف الحياة ..!


- متى ستعرفها إذن ..


أخذت به عاصفة من الضحك المجنون .. وخفقان سعالة النافث من دخانه ..


- عندما أموت أو عندما يعّبد إمام مسجدكم هُبل ههه ..



المسكين وصلّ لدرجة من الإلحاد لا أتوقع أحد وصلّ لها .. فإن تسأله هل هناك إله ..يقول لك خلقتني أمي .. وإذ كان يجب أن أعبد من خلقني فيجب أن أعبد أمي .. لكن أمي ستموت .. ولن أكون عابد لفترة زمنية محددة من الزمن .. بل لايوجد رب .. لايوجد نهاية .. تركتهُ هكذا يحدث نفسه و يتناقض مع جدران الفيلة التي جعلها من جنة لجحيم لتوافق رؤيته العلمانية الإلحالدية الـ " حشيشية " و المجنونة ..






كُتبتْ في 19\5\2011

0 التعليقات:

أهلاً بزائر مدونتي الكريم .. كم هو جميل أن تترك أثر خلفك, كلماتك و إنطباعاتك تهمني كثيرا.. فمدونتي وموتها القليل توّاقه للمزيد من الأنفاس التي تُبعث كل حين من دواخل أحاسيسكم الصادقة.

نبذة عن المُدوّن

أنا إنـسـانٌ ملّ التـفكير أنــا مــن
ضــواحـي التـذكّـر والسـهــد أكــابـر
نشيد الجرح وأبتسم أنا من يمحو
الـأقاليـم عـن سنين الوجـع ولـي
في غابة الحلم الموحشة متسـع

عدد المتواجدين حاليا

إحصائيات المدونة

مضيض

مضيض
يخيط الدمع فاه الأيام, بعد كل خصام. وفي خفة الوجع, وذبول النهارات تغفو الجراح بسلام..

أجنحة لا تطير

أجنحة لا تطير
تتهادى الضحكة على أرض ٍ من حفيفٍ بخيل ,,,تهتز على هدى الصمت أوتار حكايتي,, وينفث الحزن بسخرية ..آخر العويل ..

بعض الحزن

بعض الحزن
بعض الحزن يأتي في أول العمر فجأة ..تلو خطوة, تولد لوعة, وآيات الذكرى تحشر في القلب ألف رعشة.. جفت ترائب الصبا ,رقت المآقي بثقل دمعة ,والأيام نقائها لايتسع مني ببلوة..